السيد هاشم البحراني

493

البرهان في تفسير القرآن

وما كانَ اللَّه لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ ) * « 1 » . ثم أنشأ جعفر بن محمد ( عليهما السلام ) محدثا يقول : « ما مضى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلا بعد إكمال الدين وإتمام النعمة ورضا الرب ، وأنزل الله على نبيه ( صلى الله عليه وآله ) بكراع الغميم « 2 » : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَه واللَّه يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) * « 3 » لأن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) خاف الارتداد من المنافقين الذين كانوا يسرون عداوة علي ( عليه السلام ) ، ويعلنون موالاته خوفا من القتل ، فلما صار النبي ( صلى الله عليه وآله ) بغدير خم بعد انصرافه من حجة الوداع ، انتصب للمهاجرين والأنصار قائما يخاطبهم ، فقال بعد ما حمد الله وأثنى عليه : معاشر المهاجرين والأنصار ، ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ فقالوا : اللهم نعم . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : اللهم اشهد . ثلاثا . ثم قال : يا علي . فقال : لبيك يا رسول الله . فقال له : قم ، فإن الله أمرني أن أبلغ فيك رسالاته ، أنزل بها جبرئيل يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَه . فقام إليه علي ( عليه السلام ) ، فأخذ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بضبعه « 4 » فشاله ، حتى رأى الناس بياض إبطيهما ، ثم قال : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله - فأول قائم قام من المهاجرين والأنصار عمر بن الخطاب ، فقال : بخ بخ لك يا علي ، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة . فنزل جبرئيل ( عليه السلام ) بقول الله عز وجل : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً ) * « 5 » - فبعلي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في هذا اليوم أكمل الله لكم معاشر المهاجرين والأنصار دينكم ، وأتم عليكم نعمته ، ورضي لكم الإسلام دينا ، فاسمعوا له وأطيعوا له تفوزوا . واعلموا أن مثل علي فيكم كمثل سفينة نوح ، من ركبها نجا ، ومن تخلف عنها غرق ، ومن تقدمها مرق ، ومثل علي فيكم كمثل باب حطة في بني إسرائيل ، من دخله كان آمنا ونجا ، ومن تخلف عنه هلك وغوى . فما مر على المنافقين يوم كان أشد عليهم منه ، وقد كان المنافقون يعرفون على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ببغض علي ( عليه السلام ) ، فأنزل على نبيه ( صلى الله عليه وآله ) : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّه أَضْغانَهُمْ ولَوْ نَشاءُ لأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ ولَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ) * « 6 » ، واللَّه يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ « 7 » والسر بغض علي ( عليه السلام ) ، فماج الناس في ذلك القول من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في علي ( عليه السلام ) ، وقالوا فأكثروا القول .

--> ( 1 ) التوبة 9 : 115 . ( 2 ) كراع الغميم : موضع بالحجاز بين مكّة والمدينة . « معجم البلدان 4 : 443 » . ( 3 ) المائدة 5 : 67 . ( 4 ) الضّبع : ما بين الإبط إلى نصف العضد من أعلاها ، وشال الشيء : رفعه . ( 5 ) المائدة 5 : 3 . ( 6 ) محمّد 47 : 29 - 30 . ( 7 ) محمّد 47 : 26 .